نقع أحيانًا في أخطر أشكال الخداع:
أن نعرف الطريق، ثم نُقنع أنفسنا أننا لسنا مطالبين بالسير فيه.
في فصلٍ عميق من كتاب «الداء والدواء»، يفكّك الإمام ابن القيم رحمه الله واحدة من أدقّ آفات القلوب: مغالطة النفس حول الأسباب، حين يتحول الدين من منهج تهذيب إلى أداة تبرير.
مغالطة النفس: حين نعلم الضرر ونستمر
الإنسان يدرك أن المعصية والغفلة أسباب للهلاك في الدنيا والآخرة، لكنه يفرّ من هذا اليقين إلى حيل نفسية ودينية:
●الاتكال على عفو الله دون توبة
●التسويف بالاستغفار اللفظي
●الاحتماء ببعض العبادات مع الإصرار على الذنب
فتتحول الطاعة من علاج إلى مسكّن مؤقت للضمير.
اقتطاع نصوص الرجاء من سياقها
يحذّر ابن القيم من التعلّق بنصوص المغفرة وحدها، وإهمال نصوص الوعيد، وكأن الوحي قُسم إلى ما يريح النفس فقط.
فالآيات والأحاديث التي تتحدث عن المغفرة:
لها شروط
•وتُرفع موانعها بالتوبة أما جعلها غطاءً للإصرار، •فليس فقهًا، بل جهلًا بالنص وروحه.
•الاستغفار ليس كلمة سحرية
من أخطر الأوهام أن يُظنّ أن الذنب يُمحى بمجرد قول: أستغفر الله، مع استمرار القلب في نفس الطريق.
الاستغفار الحقيقي:
•ندم
•إقلاع
•عزم أما اللسان وحده، فلا يمحو إصرار القلب.
•الهروب إلى القدر والإرجاء
يرصد ابن القيم صورًا أخرى للخداع:
١.تعليق الذنب على القدر والجبر
٢.فصل الإيمان عن العمل حتى يصبح الفاسق والمؤمن سواء، ويُفرغ الإيمان من أثره السلوكي.
٣.الغرور بالمحبة والأنساب
كذلك يحذّر من الاغترار: بمحبة الصالحين أو الانتساب إليهم أو التوسل بهم بديلاً عن العمل
فالله لا يُعامل عباده بمنطق الجاه والنسب، بل بمنطق العدل والحكمة.
حسن الظن أم غرور؟
يضع ابن القيم ميزانًا حاسمًا:
حسن الظن بالله لا ينفصل عن حسن العمل.
فالمحسن يحسن الظن لأنه يعمل،
أما المسيء المصرّ، فدعواه حسن الظن ليست إلا تمنّيًا فارغًا.
ولهذا قال:
حسن الظن مع اتباع الهوى عجز.
الفرق بين الرجاء والغرور
الرجاء الصحيح:
يأتي بعد التوبة
وبعد بذل الأسباب
ومع الخضوع والخشية
أما الرجاء مع الإقامة على أسباب الهلاك، فليس رجاءً، بل خداع للنفس باسم الرحمة.
خلاصة الفصل
يريد ابن القيم أن يقول بوضوح:
رحمة الله ليست حجة على المعصية،
بل دافعًا لتركها.
فالعارف يضع الرجاء في موضعه،
والمغرور يجعله ستارًا للهرب من التكاليف.
المصدر:
📖 داء والدواء (أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)
للإمام ابن القيم الجوزية – رحمه الله


شكرا جزيلا جلعها الله في ميزان حسناتك
مقالة رائعة ❣️